عماد الدين الكاتب الأصبهاني

مقدمة 4

خريدة القصر وجريدة العصر

يوم النوى ليس من عمرى بمحسوب * ولا الفراق إلى عيشى بمنسوب وكان لهذا المديح أثره في نفس نجم الدين فأكرمه وأحسن إليه ، وقدمه على الأعيان وميزه وعرف به ابنه صلاح الدين وكان القاضي الشهرزوري يحضر مجالس العماد ويذاكره في كثير من مسائل العلم ، فعرف قدره وغزارة علمه ، ونوّه به عند السلطان نور الدين ، وذكر له تقدمه في العلم والكناية . وأهله لكتابة الإنشاء ، وتردد العماد في القيام بأمر لم يمارسه طويلا ، مع أن عدّته لديه موفورة ، وهو الأديب الأريب ، ولكنه خاف التقصير ، ثم أقدم بعد إحجام ، فبرّز حتى قال ياقوت الحموي إنه « زاحم القاضي الفاضل بمنكب ضخم » ، وكان ينشئ الرسائل بالفارسية كذلك فيجيد فها إجادته بالعربية . ومن ثمّ علت منزلته لدن نور الدين ، وصار صاحب سرّه ، وفوّض إليه التدريس بالمدرسة العمادية كما تقدم ، وولّاه الإشراف على ديوان الإنشاء . ولما توفى نور الدين ، وتولى ابنه الملك الصالح إسماعيل سمع فيه وشاية الحساد ، فخاف العماد على نفسه وخرج من دمشق قاصدا بغداد ، فوصل إلى الموصل ومرض بها ، ولما أبلّ من مرضه بلغه رجوع السلطان صلاح الدين الأيوبي من مصر قاصدا دمشق ليستولى عليها ، فكرّ راجعا إلى دمشق ، والتقى بصلاح الدين في حلب ، ولزم بابه وصاحبه في غزواته ، ونوّه بفتوحاته شعرا ونثرا ، وكانت أول قصيدة مدحه بها تلك التي مطلعها : أجيران جيرون مالي مجير * سوى عدلكم فاعدلوا أو فجوروا وقرّبه صلاح الدين إليه واعتمد في كثير من شؤونه عليه ، فتصدر وزاحم الوزراء وأعيان الدولة ، وعلا قدره وطار صيته . وكان إذا انقطع القاضي الفاضل عن الديوان ناب عنه في النظر عليه ، وألقى إليه السلطان مقاليده ، وركن إليه